الارشيف / فن / عكاظ

الغذامي لـ «عكاظ» : تويتر ألغى «رفعة الخشم»

ليس لأنه من أكبر رموز الحداثة العربية، ولا لأنه صاحب المناهج النقدية، حرصتُ على أن يكون ضيف هذه المساحة، بل لأنه أيضاً الإنسان والمثقف؛ الذي يُعلي مبادئه على مصالحه، ويكفي أن تقول «الخطيئة والتكفير» ليحضر اسم الناقد الدكتور عبدالله الغذامي، المفتون بتشريح المتون، وغير العابئ بما يقوله الهامش، أستاذ اللغة، وعاشقها، ومعشوقها، والمتصدي لثقافة الوهم، والحاضر في «التواصل الاجتماعي» بكل «ذرابة» ورُقيّ، في هذا الحوار الذي يشرح الكثير من القضايا الثقافية.

• هل ولّى زمن القراءة؟

•• محال. لا يولّي، تعريف القراءة إشكالي، إذا كان المقصود بها من كتاب؛ سيخرج طه حسين الذي يقرأ بسمعه، ويخرج امرؤ القيس كونه لم يقرأ من ورق، والسماع نوع آخر من القراءة، ونحن نسمع من اليقظة حتى النوم، ولكل زمن شروطه، فالمثقف في زمن مضى، هو الذي يحفظ المعلقات، ويقرأ البيان والتبيين، والأمالي، وأدب الكاتب، والكامل.. في هذا الزمن لو تحفظ كل أشعار العالم، وكتبهم، لن تكون مثقفاً إلا بشروط العصر، وكذا تعريف القراءة، ففي زمن الكتاب، كان القُراء قِلة، اليوم القراء كثر، والوسائل لا حصر لها.

• ألا تظن أن التهيّب المُلازم للناشئ ثقافياً أمام كبار المثقفين تلاشى؟

•• هذا من غرور المثقفين في لحظة من اللحظات، في زمن محدودية المثقفين، كان المجتمع يمنحهم نوعاً من التميز، بحكم الملابس النظيفة، والأناقة، وطريقته في الكلام، فكانت هناك طبقية، وانعزالية. وزمن النخبة تلاشى، فنحن في زمن الآلة، والتواصل، وإن تعالى المثقف على فهم ومعايشة واقعه، سيبقى في برجه الوهمي.

• هل ترددت في الدخول لتويتر؟

•• ترددتُ في امتلاك الجوال، وكنت أحذر من الاقتراب من شخص يتحدث بجواله؛ بحكم ما سمعنا عن الإشعاعات، ولكني اقتنعتُ باقتناء الجوال ودخلتُ لتويتر، رغم أني كنتُ مرتاحاً لوضعي سابقاً بحثاً وقراءة وكتابة.

• بماذا تعاملت مع رواد ومرتادي تويتر؟

•• أتعامل بالأخلاق لا بالعلم.

• ماذا عن تقديم التنازلات لمتلقٍّ مجهول؟

•• هذا ليس زمن «رَفْعَة الخُشم».. الذي يرفع خشمه الناس تتركه، ويرجع يطرد وراءهم، ويلاحقهم لاسترضائهم. والادعاء والزيف والوهم، لا محل لها في هذا الفضاء الكاشف.

• كيف تصف أثر تويتر على المسجلين فيه؟

•• هذه المواقع الافتراضية، تكشف حقيقة كل إنسان، فهذا الذي يغلط أو يسيء؛ هو كذلك يغلط ويخاصم في الواقع، فأخلاقياته هنا هي ذاتها هناك والعكس. والسوق يُظهر كل إنسان على حقيقته، لم تتغيّر أخلاقنا في تويتر وإنما ظهرت وانكشفت كما هي فعلاً.

• يبدو أنك لا تدع ظاهرة تمرّ أو معطى جديداً يُطرح، دون قراءة تخرج في كتاب؟

•• ما له صلة بالثقافة، ولذا طرحتُ كتاباً عن ثقافة تويتر.

• ما أبرز سمات «الفضاء الأزرق»؟

•• من سماته «أُبّهة» يصطحبها البعض أثناء التصوير مثلاً، يحرص أن يكون حوله نهر، شجر، منزل فخم، هذه «الأبّهة» تتشاكل مع العمامة والعصا التي كان يعتمد عليها الخطيب عندما يصعد المنبر، فهناك مواصفات يتمنطق بها، فالعمامة عند أسلافنا تزيد في القامة، والعصا فضاء وامتداد للكلام المتصاعد، وكأنما هي فُوّهة مدفع.

• أين منك النقد الأدبي؟

•• كتبتُ في النقد الأدبي المشروط بموضوعه (الشعر والنثر) نقد الشعر والسرد، إلا أن النقد الأدبي أغلق المنشط المعرفي إغلاقاً كبيراً، ولغياب الفلسفة دور في العزلة عن التفكير.

• يرى البعض أن النقد الثقافي استهواك.

•• النقد الثقافي كسر للعزلة، وتجاوز للبؤر الانفرادية، فالثقافة مفتوحة، ومعطيات الحياة، تمنح الثقافة أبعاداً أوسع وأرحب، والثقافة متمردة على التجميد التعاريفي، كل ما يحيط بالإنسان حين يتم طرحه بلغة عامة يخرج صاحبه من علميته إلى مثقف، أطباء تويتر نموذجاً ببثهم المعلومات لجمهور عام بلغة الثقافة، المزارع الذي يشرح لنا عن النباتات والبذور مثقف.

• لماذا النظريات كلها غربية؟

•• لا صحة لمقولة «نظرية غربية»، النظرية ليس لها جواز سفر، النظرية علمية، أسلافنا سمّوا أرسطو المعلم الأول، والفارابي المعلّم الثاني، كان عندهم ثقة، وليست لديهم عقدة النقص، الأمريكان يأخذون من كل الثقافات، الوهن الثقافي يدفع البعض للاستخفاف، أو الاستعلاء ليقول: ليست لنا، بل لأهلها. والنظريات لا تأتي من فراغ.

• هل للنظريات الحديثة جذور في ثقافتنا؟

•• بالطبع أوردتُ في «الخطيئة والتكفير» مقولات لابن رُشد، والغزالي، والقرطاجني.. والخليل بن أحمد أطلق ما يُسمى «الدوائر الخمس» التي بنى عليها العروض، وهي تتصل بالنظريات العصرية، وأعد الخليل أعظم بنيوي في التاريخ الإنساني، والنظرية تسمى باسم من انتهت إليه، أو باسم المكان، والإعصار لم يخترعه عالم، وإنما استخدم النقد البنيوي لرصده وتتبع مساره وخصائصه.

• هل تتقاطع شخصيتكم مع شخصية الشاعر حمزة شحاتة؟

•• لا أقول هذا، ولكن ممكن يقولها غيري، وفي ولاية كاليفورنيا تماهيتُ مع نصه، وأنا أكتب «الخطيئة والتكفير» ونسيت نفسي ذات مساء، وتجاوزت الوقت المحدد بساعة ونصف، وانهمرتُ في نوبة بكاء، وتيبّستْ أصابعي على القلم، ولو تأخرت نصف ساعة عن استلام الديوان المخطوط الذي بعثته شيرين حمزة شحاتة، رحمها الله، لكنتُ كتبتُ عن جُبران خليل جبران، أو أبو العلاء المعرّي، واسم حمزة شحاتة له عندي معنى رمزي خاص.

• كيف هي رؤيتك وعلاقتك بالتراث؟

•• المدونون سجلوا الحق والباطل، والزين والشين، لو انتقوا لفاتنا كثير، وأبو عبيدة يقول: ما جاءكم من شعر العرب إلا أقله، الإشكالية ليست في ما وصلَنا من التراث، بل في ما لم يصلنا، وكما قال إليوت: لم يؤثر في الآداب القديمة مثل الحديثة، والحفاوة بالمتنبي اليوم تفوق احتفالات زمنه به.

• ألم تنقد المتنبي وتصفه بـ«الشحاذ»؟

•• شعر المتنبي يعلو بالنقد، ولا يجرح المتنبي أنه «شحاذ عظيم وعبقري عظيم».

• ألا يُشك بالتراث ويكون محل دسيسة؟

•• كثّر الله خير الذين دونوه؛ ابن جني رومي، وسيبويه فارسي، والعيوب التي فينا لا دخل للتراث بها، وللآخرين عيوبهم مثلما للعرب عيوبهم.

• ما تعليقك على من يصف التراث بالدموي؟

•• كل تراث بشري به عيوب.. «قلعة لندن» شاهد على تعفن لندن وتحول النهر لدم أحمر، والتراث الألماني دموي، والأمريكي أدْمَى، والأتراك لم يتركوا لنا أثراً يدل على حضارية إلا الغزو والهدم والنهب.

• وكم تحمّل الأديان من مسؤولية ما يحدث اليوم؟

•• لا بد من التفريق بين الإيمان، والأديان، الإيمان متعالٍ، والأديان ذات بُعد بشري بحكم الممارسة، الإشكالية أننا نتصور الدِّين بناءً على صورة أتباعه، والدِّين يضم الآراء والأقوال الفقهية والفتاوى والمذاهب، ومما يروى أن أئمة المذاهب كانوا لا يحبذون تقليدهم، ولا يريدون أحداً يقلّدهم، والمذاهب أسسها تلاميذهم.

• ما صحة مقولة «الغذامي حداثي ملتزم»؟

•• هذا الوصف ورد على لسان الأستاذ رضا لاري.. قال: الغذامي زعيم الحداثيين، ولكنه يُصلّي، وأنا لا أرى تعارضاً بين الحداثة والإسلام، والذي يرى تعارضاً العلة فيه، الإنسان يؤمن ويكفر، وليست الأفكار.

• لماذا تنافر رموز الحداثة حد العداء؟

•• المعاصرة حجاب، والمحدثون لا يقبلون من المتعاصرين مدحاً ولا ذماً في بعضهم. وفي كل فن ومجال عمل هناك (حسد، وغيرة، وغدر، وصراعات)، والحداثيون أبعد ما يكونون عن الملائكية.

• كيف علاقتك بالدكتور سعد البازعي، والدكتور سعيد السريحي؟

•• الدكتور البازعي زارني في بيتي لمّا مرضت، «والنعم فيه»، صديق، نتقابل، وأحترمه ويحترمني، وسافرنا لجدة وقضينا وقتاً معاً، والخلاف موجود، ولا أرغب في الحديث عن السريحي.

• ماذا عن تحرير مصطلح الوطن؟

•• ربما كانت فكرة الوطن ملتبسة في الأذهان، شأن بدايات الدولة، إذ لم يتحرر مصطلح الوطن إلا إثر قيام الدولة الوطنية، ولم تعرف الثقافة البشرية مصطلح وطن منذ عهد الرومان والإمبراطوريات الكبرى التي كانت تلتهم غيرها وتلغيه، فتغدو عظيمة، وكلما جاء لاحق أعظم، ألغى السابق، وكانت فكرة المدن هي المعروفة (روما، بغداد، القاهرة، دمشق، القيروان، قرطبة، غرناطة، الدرعية، الرياض) وكل مدينة تحصّن نفسها بأسوار تحيط بها تغلقها كل مساء، ما يحول دون الاعتداء عليها، فالوطن مصطلح مرتبط بالأمن، والثروة، والحقوق، والملك عبدالعزيز طيّب الله ثراه، تزامنت فكرته مع الوعي الاستقلالي في العالم العربي، ولذلك جاء إليه العرب من كل الأقطار، إيماناً بمشروعه الذي يبني الحلم المأمول، وحدد الملك المؤسس بعقلية تفاوضية، جغرافية دولته، ولم يدخل في حروب ونزاعات وغزو، ولم يتمدد أكثر استشعاراً منه بخطر التمدد، وطيلة 31 عاماً وهو يتآلف ويحالف المكونات القبلية والكيانات داخل المملكة، فجعل الجميع جزءاً من التكوين فأحبوه، وهذه اللحمة التي حققها في ما بيننا حمت بلادنا طيلة تاريخها العريق من عواصف هبّت علينا غيرنا، وللعلم فكل الخطابات التي رفعت الشعارات الوحدوية والأممية فشلت (البعث، القومية، الإخوان، الخميني)، والإسلاموية مرفوضة؛ لأنها تسوّق أفكاراً تضاد الوطن، وتجنح لإلغائه، وكل من عادى الوطن ألغاه الوطن، وكل من تصدى لفكرة الوطن سقط، ونظل نرفض كل من يحاول إلغاء وطنيتنا، أو الإساءة لهذا الكيان، لأنه المعنى الممتد الذي ننتمي له، ونريده لأحفادنا وأحفادهم، وكل عام والوطن والجميع -مواطنين ومقيمين- بخير، وكل يوم هو لنا في وطننا «يوم الوطن».

• ما برنامجك اليومي؟

•• أصحو مبكراً، والبحث العلمي يجعل القراءة «دواماً» ومهنة، ومنذ ١٩٨٣ كتبت «الخطيئة والتكفير» ونتجت عنه 7 كتب، و«النقد الثقافة» تولّدت عنه 7 كتب، و«المرأة واللغة» 5 كتب، و«الفسلفة والعقل المؤمن» 4 كتب حتى الآن.


ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر منقول وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا