غير مصنف / مصر اليوم

شحاتة السيد يكتب: هل تعلمت الآلة الكسل من الإنسان؟

في غمرة تعمقي بدراسة الشبكات العصبية، استوقفتني بشدة الطريقة التي تعمل بها هذه الشبكات، أخذني ذلك إلى بحث معمق خلف الأداء المذهل والسرعة الهائلة في التعلم والتحليل، حتى تبلور سلوك متكرر يكاد يكون سمة ثابتة في معظم النماذج الحديثة.

هذه السمة هي أن الشبكة العصبية تسعى دائماً إلى المسار الأسهل، لا يعنيها الفهم بقدر اهتمامها بالوصول إلى النتيجة بأقل كلفة ممكنة.

في البدء، تعاملت مع هذا الأمر كخاصية تقنية مرتبطة بالخوارزميات، لكن الأمر أثار فضولي وتعمقت أكثر، حتى بدأت أرى انعكاساً إنسانياً مقلقاً يكمن في جوهر هذه السلوكيات الحسابية.

النموذج العصبي لا يتعلم كما نتخيل، نحن نميل تقنياً إلى وصفه وكأنه يفكر، بينما ما يحدث فعليا أكثر تعقيداً، لأن الشبكة لا تبحث عن الحقيقة، بل عن أقرب مسار يقلل الخطأ الرياضي.

هذه الشبكة إذا وجدت اختصارا يؤدي إلى نتيجة صحيحة ظاهريا، تتمسك به مباشرة، حتى لو كان هذا الاختصار بعيداً تماماً عن الفهم الحقيقي للمهمة.

ما يثبت هذا أننا أحيانا نطلب من نموذج أن يميز بين الصور، فيكتشف أن خلفية معينة تتكرر مع تصنيف محدد، فيبني حكمه على الخلفية لا على العنصر الأساسي داخل الصورة.

هذه العملية تبدو وكأنه تعلم، لكنه في الحقيقة اختار الطريق الأسهل فقط.

وفي معالجة اللغة يحدث الأمر نفسه، النموذج قد يبدو قادرا على الفهم العميق، بينما هو في كثير من الأحيان يعيد تركيب الأنماط الأكثر تكراراً داخل البيانات.

يبدأ بالتقاط العلاقات السطحية بسرعة، ويتمسك بها لأنها أقل تكلفة حسابية من بناء تمثيل أعمق وأكثر تعقيداً.

هذا السلوك معروف جيداً داخل أبحاث الذكاء الاصطناعي، لأن النماذج دائماً تميل إلى الحلول المختصرة، وتحتاج باستمرار إلى تدخل الباحث حتى لا تنهار نحو أسهل مسار ممكن.

في البداية ظننت أن هذا مجرد قيد تقني كما نفعله مع نماذجنا التي ننشأها لمهام مخصصة، لكن الفكرة لم تتوقف هنا، كلما راقبت هذا الميل داخل النماذج، بدأت ألاحظ أننا نفعل الشيء نفسه كبشر، لكن بصور أكثر تعقيداً.

الإنسان أيضاً يميل إلى الطرق المختصرة، لأن العقل بطبيعته يحاول تقليل الجهد، لذلك نلجأ كثيرا إلى الأحكام السريعة، والأفكار الجاهزة، والانطباعات المسبقة، حتى أننا نحفظ أحياناً بدلاً من أن نفهم، ونكرر بدلاً من أن نراجع، ونفضل الإجابة السهلة حتى لو كانت ناقصة.

وهذا هو جوهر المقال أن الكسل الحقيقي ليس دائماً في الجسد، بل في طريقة التفكير، قد يعمل الإنسان لساعات طويلة، لكنه يرفض أن يدخل في مواجهة حقيقية مع الأسئلة المعقدة.

قد يقرأ كثيراً، لكنه لا يتأمل، وقد يتحدث بثقة عن أمور لم يمنح نفسه وقتا كافياً لفهمها.

هنا يصبح العقل شبيهاً جداً بالشبكات العصبية الصناعية حين تختار أقرب طريق يؤدي إلى النتيجة دون بناء فهم عميق.

ولهذا أحياناً أشعر أن الآلة لم تتعلم الكسل وحدها، بل ورثت جزءا منه منا، لأننا نحن من صممنا النماذج لتبحث عن أقل خسارة ممكنة، لأننا نحن أيضاً نبحث غالبا عن أقل مقاومة ممكنة في الحياة.

حتى على المستوى العصبي، الدماغ البشري يعمل وفق مبدأ اقتصادي واضح، فيه يحاول العقل دائماً توفير الطاقة، ولهذا يعتمد على الأنماط المتكررة والعادات والاختصارات الذهنية. هذه القدرة مفيدة للبقاء، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تمنع الإنسان من التفكير النقدي الحقيقي.

اللافت أن الفرق الجوهري بين الإنسان والآلة لا يظهر في القدرة على الحل، بل في القدرة على مقاومة هذا الميل الداخلي نحو الراحة.

مثلاً الشبكة العصبية لا تستطيع أن تقول لنفسها أن الحل الذي وصلت إليه سطحي أو مضلل، لأنها لا تمتلك وعياً يجعلها تشك في الطريق الذي سلكته.

أما الإنسان، برغم ميله الطبيعي إلى الراحة، يملك قدرة مختلفة تماماً، حيث يستطيع أن يراجع نفسه، وأن يهدم قناعته القديمة، وأن يجبر عقله على التعلم الحقيقي حتى لو كان مرهقاً ومؤلماً.

وهنا تحديدا يبدأ الوعي. الوعي ليس في امتلاك الإجابة، بل في مقاومة الاختصار حين يكون مضللاً.

وفي الذكاء الاصطناعي نرى بوضوح ماذا يحدث حين تغيب هذه القدرة، نجد النموذج قد يصل إلى نتائج مبهرة، لكنه ينهار بمجرد تغير بسيط في السياق، لأنه لم يفهم فعلاً ما كان يفعله، لأنه تعلم النمط، لا المعنى، تعلم حفظ الطريق، لا الفكرة.

والإنسان يفعل الشيء نفسه أحياناً دون أن ينتبه، قد يعيش سنوات كاملة داخل أنماط فكرية مريحة، يكرر نفس القناعات، ويتجنب أي سؤال يربك استقراره الداخلي، ليس لأنه عاجز عن التفكير، بل لأن التفكير الحقيقي مكلف، ولأن الفهم العميق يحتاج إلى مواجهة، وإلى شك، وإلى استعداد دائم لإعادة بناء الذات من جديد.

كلما تأملت هذا التشابه بين النماذج والعقول البشرية، أدركت أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح الآلة ذكية، لكن أن يصبح الإنسان سطحياً بالدرجة نفسها، لأن الشبكات العصبية، مهما بلغت قوتها، تظل أدوات تحاكي أنماطاً داخل البيانات.

أما العقل الإنساني، فهو الشيء الوحيد القادر على تجاوز النمط نفسه، وعلى كسر الطريق الأسهل حين يدرك أنه طريق ناقص.

وفي الحقيقة، جزء كبير من أزمة العصر ليس في تطور الذكاء الاصطناعي، لكن في الطريقة التي بدأ بها الإنسان يتعامل مع المعرفة، بمنطق أن السرعة أصبحت أهم من الفهم، والانطباع أسرع من التأمل، والإجابة الجاهزة أكثر جذباً من السؤال الحقيقي، وكأن العالم كله يتحرك تدريجيا نحو عقلية الشبكات العصبية، نحو الحل الأقصر، والتفاعل الأسرع، والعمق الأقل.

ولهذا لا أرى الكسل مجرد صفة سلوكية بسيطة، بل أراه ميلاً داخلياً موجوداً داخل أي نظام يسعى لتقليل الجهد، الفرق فقط أن الإنسان يملك فرصة لمقاومة هذا الميل، لأنه يملك وعياً يمكنه أن يختار به الطريق الأصعب إذا كان أكثر صدقاً. وهذه القدرة تحديداً هي ما تجعل العقل الإنساني مختلفاً عن أي نموذج صناعي مهما بلغ تعقيده.

وأنا أواصل رحلتي في دراسة الشبكات العصبية، أشعر أنني لا أتعلم فقط كيف تفكر الآلات، بل كيف يهرب الإنسان أحيانا من التفكير نفسه.

كلما رأيت نموذجاً ينهار نحو الحل الأسهل، تذكرت أن المعركة الحقيقية ليست داخل الخوارزمية، بل داخل العقل البشري.

وأسأل نفسي هل سنسمح لأنفسنا أن نتحول إلى كائنات تبحث فقط عن أقل مجهود ممكن، أم سنحتفظ بتلك القدرة النادرة على التأمل، والمراجعة، والتعلم الحقيقي حتى لو كان الطريق أكثر صعوبة؟

ربما لهذا السبب، كلما تعمقت في الذكاء الاصطناعي، ازددت اقتناعاً بأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في سرعة المعالجة، ولا في حجم المعلومات التي يحملها، لكنها تكمن في قدرته على تجاوز راحته الذهنية، وعلى مقاومة الكسل الفكري الذي قد يبدو مريحا في البداية، لكنه مع الوقت يحول العقل إلى مجرد نموذج آخر يعيد تكرار الأنماط دون أن يفهمها.

* عن موقع إعلام..

 

 

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة الحكاية ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الحكاية ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

انتبه: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة مصر اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر منقول وانما تم نقله بمحتواه كما هو من مصر اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا